محمد متولي الشعراوي

6327

تفسير الشعراوى

وهنا قال بعض المستشرقين : لو كانت هذه هي قصة الخلق للأرض والسماوات لطابقت آية الإجمال آية التفصيل . وقال أحدهم : لنفرض أن عندي عشرة أرادب من القمح ، وأعطيت فلانا خمسة أرادب وفلانا ثلاثة أرادب ، وفلانا أعطيته إردبين ، وبذلك ينفد « 1 » ما عندي ؛ لأن التفصيل مطابق للإجمال . وادّعى هذا البعض من المستشرقين أن التفصيل لا يتساوى مع الإجمال . ولم يفطنوا إلى أن المتكلم هو اللّه سبحانه وتعالى ، وهو يكلم أناسا لهم ملكة أداء وبيان وبلاغة وفصاحة ؛ وقد فهم هؤلاء ما لم يفهمه المستشرقون . هم فهموا ، كأهل فصاحة ، أن الحق - سبحانه وتعالى - قد خلق الأرض في يومين ، ثم جعل فيها رواسي وبارك فيها ، إما في الأرض أو في الجبال ، وقدّر فيها أقواتها ، وكل ذلك تتمة للحديث عن الأرض . ومثال ذلك : حين أسافر إلى الإسكندرية فأنا أصل إلى مدينة طنطا في ساعة - مثلا - وإلى الإسكندرية في ساعتين ، أي : أن ساعة السفر التي وصلت فيها إلى طنطا هي من ضمن ساعتي السفر إلى الإسكندرية . وكذلك خلق الأرض والرواسي وتقدير القوت ، كل ذلك في أربعة أيام « 2 »

--> ( 1 ) نفد - ينفد نفدا ونفادا : فنى وذهب وانقطع ولم يبق ، من النفاد ، وهو الانتهاء . وقال تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ . . ( 96 ) [ النحل ] . ( 2 ) اليوم : في علم الفلك الحديث مقدار دوران الأرض حول محورها مرة ، ومدته أربع وعشرون ساعة تقريبا ، وجمعه أيام . وأيام العرب : وقائعهم الحربية . وأيام اللّه أيام حلّت فيها نقم اللّه وعذابه على الأمم الماضية العاصية ، وأيامه التي أنعم فيها على أمم مطيعة صالحة . ويوم الدين : يوم القيامة . ويوم حنين : حدثت فيه موقعة حنين . واليوم عند اللّه مقداره يختلف عن اليوم عندنا فأحيانا يكون ألف سنة ، ولكل نجم يومه ، ولكل كوكب يومه . قال تعالى : . . وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 47 ) [ الحج ] . وقد يكون المقدار خمسين ألف سنة ، مصداقا لقوله تعالى : . . فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ( 4 ) [ المعارج ] ، وبهذا التقدير نفهم معنى قوله تعالى في خلق السماوات والأرض : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ . . ( 12 ) [ فصلت ] فالله أعلم بمقدار هذين اليومين . [ القاموس القويم - بتصرف ]